فخر الدين الرازي

21

شرح عيون الحكمة

بنعوت الكمال وسمات الجلال . فأما أن يصرح بأنه سبحانه ليس متحيزا ولا حاصلا في المكان والجهة ، فذلك مما لا يجب عليه التصريح به ، لأن أمثال هذه المطالب مما لا تصل إليها أفهام أكثر الخلق . فإنه لو دعا الناس إلى ذلك ، لصار ذلك منفرا لهم عن قبول دعوته ، فلا جرم وجب عليه الاكتفاء بتلك الدعوة المجملة . وأما التفاصيل الدقيقة ، فيجب عليه أن لا يصرح بها ، وأن يفوضها إلى عقول الأذكياء من الناس . وإذا عرفت هذا فنقول : قوله : ومبادئ هذه الأقسام التي للفلسفة النظرية مستفادة من أرباب الملة الإلهية على سبيل التنبيه . فالمراد منه : ما ذكرنا ( من ) أنه يجب على الشارع ارشاد الخلق إلى الاقرار بالتنزيه المطلق ، والاقرار بكونه موصوفا بكل كمال وجلال . وأما قوله : ومتصرف على تحصيلها بالكمال بالقوة العقلية على سبيل الحجة . فالمراد منه : ما ذكرنا ( وهو ) أن هذا المباحث الدقيقة ، يجب عليه أن يفوض عرفانها إلى عقول الأذكياء من الخلق . * * * قال الشيخ : « ومن أوتى استكمال نفسه بهاتين الحكمتين ، والعمل مع ذلك بإحداهما ، فقد أوتى خيرا كثيرا » التفسير : انه لما فسر الحكمة بمعرفة الأمور النظرية ، ومعرفة الأمور العملية ، ذكر هاهنا : أن من وفق حتى قدر على استكمال نفسه بهذين النوعين من المعرفة ، ثم وفق حتى أتى بالأعمال الموافقة على قانون الحكمة العملية « فقد أوتى خيرا كثيرا » « 19 » وهذا اللفظ انما أخذه من الكتاب الإلهي . وهو قوله سبحانه : « ومن يؤت الحكمة ، فقد أوتى خيرا كثيرا »

--> ( 19 ) البقرة 269 ، وقوله تعالى : « واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات اللّه والحكمة » قال الشافعي : « فذكر اللّه الكتاب وهو القرآن ، وذكر الحكمة . فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول : الحكمة سنة رسول اللّه »